فخر الدين الرازي

29

النبوات وما يتعلق بها

كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون . فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه . ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا . لأنهم يقولون ولا يفعلون » [ متى 23 : 2 - 3 ] فقوله : « فاحفظوه وافعلوه » : يدل على أنه ما خالف موسى ، ولا يريد أن يخالفه ، ويدل على أنه لا يأمر بشرع جديد زيادة على ما تركه موسى لأن من الكتبة والفريسيين - وهم العلماء - من يؤمن بالمسيح ومن لا يؤمن به . ولا يؤمن به لن يبلغ الزيادة أن ترك المسيح زيادة . فاكتفاؤه بما تركه موسى دليل على أنه متبع لموسى اتباعا كاملا ، بغير زيادة ولا نقصان . مهمة علماء بني إسرائيل والمسيح عيسى ابن مريم : ولئن سأل سائل : ما مهمة المسيح اذن ، وهو - والحالة هذه - لا يختلف عن علماء بني إسرائيل . فإنهم يقومون بالشريعة كما أمر موسى عليه السلام ؟ والإجابة على ذلك : أن المسيح يقوم بما يقوم به علماء بني إسرائيل . ولكنه يختلف عنهم في مهمة التبليغ والبيان . ذلك أن علماء بني إسرائيل في ( بابل ) من بعد سنة 586 ق . م . أعادوا كتابة التوراة وغيروا وبدلوا فيها . ومن النصوص التي غيروا فيها وبدلوا ، نصوص « النبوءات » عن النبي المنتظر ، الّذي نصت التوراة على مجيئه لينسخ شريعة موسى . لقد كتبوا نصوص النبوءات بأسلوب يحتمل الدلالة على نبي يظهر من بنى إسماعيل ، وعلى نبي يظهر من بني إسرائيل . فعلماء بني إسرائيل ، الذين لا يخافون اللّه ، في زمان المسيح : لا يجرءون على الافصاح بأن النبوءات تدل على نبي من بنى إسماعيل ، خوفا من الذين حرفوا وبدلوا أن يقتلوهم أو يعيدوهم في ملتهم ، فكانت رسالة المسيح من اللّه عز وجل : أن يجهر بالحق ، وأن يبين الغامض من النبوءات . فجهر المسيح بالحق ، وبين . وهذه هي رسالته . أي أنه مرسل من اللّه لقول الحق ، الّذي يخاف علماء بني إسرائيل من قوله أمام العامة والرؤساء ، وبقوله الحق يكون « مبشرا ونذيرا » مبشرا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ونذيرا بعذاب لمن لا يؤمن به من بني إسرائيل . كما يقول تعالى : « رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً » [ النساء 165 ] فقد بين أن صفات الرسل هي التبشير والانذار .